خواطر 2

خواطر 2

بقلم: محمد الدبس.

الظفر المكسور

جاء إليها وهموم الدنيا جبال على كتفيه، استلقى على كرسيه، نظر في الفراغ وقال: إنني متعب.. من كل شيء. وأخفض رأسه واستند لركبتيه.
اتكأت بجانبه، قطبت حاجبيها، وقالت بهمهمة حزينة: انظر! ظفري مكسور!. ومدت يدها أمامه، أمسك يدها بحنوٍ، كانت عروقها تنبض بلون أخضر، وبشرتها الناعمة المزغبة تضجُّ فتنة، كان حجم يدها نصف حجم يده، فاستراحت على راحته كطفلة في مهدها.
- أتدرين لما يضعون خاتم الزواج في الخنصر؟
علمت أنه سيروي قصة، فاسندت رأسها على ركبته، ونظرت إليه بعينين مليئتين بالأسئلة، وضفيرة معقوفة خلف كتفها..
لاحظ أن أحمر الشفاه غير متسق، فأصلحه بإصبعه وزال ما خرج عن حدوده، فغرقت بصمت عميق كأنما زال الكلام عن شفتيها.
وضع سبابته على شريان يمر في خنصرها، قال لها وهو يسافر سالكاً هذا الشريان..
- إنه شريان الحياة، يتصل بالقلب مباشرة.. أرادوا للخاتم أن يكون رابطة أبد الحياة، أن يختم كل الحب والحياة بالارتباط المقدس.
وصلت يده لقلبها، ينبض تحت نهديها بدفء كعصفور صغير، ابتسمت كطفل رأى والدته تعد طعاماً يحبه، أغمضت عينيها وعادت لحزنها وقالت: لكن ما زال ظفري مكسور!.
ضم راحتها لشفتيه، وقبل رؤوس الأصابع، وتنهد زافراً كلَّ تعبه، وأسند رأسه لرأسها.
همست: اعذرني.. كنت تقول أنك متعب!.. مم؟، ومدت يدها تعبث بلحيته، نظر في عينيها تشعان بفرح نقي، فقال: ليس هناك ما يستحق أن تصدعي رأسك الصغير يا أميرتي، من يرى ظفرك مكسوراً تهون عليه مصائبه.. فظفرك عندي يعدل الكون!
===================================
ربيع الذكريات

الشمسُ تميلُ لمغربها، تريدُ أحضانَ القمر، والشّوقُ أدمى شفقَ الغروبِ، إنَّما كُتبَ عليهما "لا الشّمسُ ينبغي لها أنْ تُدرك القمر".
تقابلتِ العيونُ على مدى الرؤية، ففرَّ ثغرُها عن بسمةٍ ضَحكتْ في قلبِيَ فودَّ أنْ يقفزَ من بين الضلوعِ.
ضاقتْ المسافاتُ حتّى حطتْ يدُكِ بينَ يديَّ بحنوٍ، وعذبَني قُربُك وماليَ لشفَتيكِ وصولُ.
ترتدين ثوباً أبيض، فيُبهِتُني حُسنُك، وأقولُ ما قاله أبا العتاهية: "فثوبُك مثلُ نحرك مثل قلبك بياضٌ في بياضٍ في بياضِ"، ليتعنى النواسيُّ من مغربِ الشّمس: "قريبٌ من قريبٍ من قريبِ".
مشينا وعيناي ما فارقَتْكِ، والطريقُ بلطفٍ يَحملُنا، متولياً
أمرَ الزحامِ والسيارات، مفسحاً لنا حناياه فرحاً باللقاء، وانحنتْ الأشجارُ لجمالِكِ تسبُّحُ وتترنمُ: يا عشتارنا.. يا بركة ربيعنا؛ ورشَّتْ بضعاً من ورقها، وطَلعِ زهرِها محتفلةً متعبدةً في ربيع عيدها.
وعيونُ العاشقينَ تباركُنا، وسوادُ الناس مشغولون بهمومهم.
أيا ليتَني أقبضُ من عشقِكِ قبضةً، فأنثرُها بين الجموع المغتمة لتغسل عُقولَهم، حتّى يشتعلُ هذا العالمُ موحداً جمالك.. فيغدو ملوناً كقوسِ قَزحٍ يسرُّ العيون.
لكن أنّى يرون نورَ عشقِك!.. فهم يشهدون تفتَح بتلاتِ الأزهار وينكرون، ويقولون ولى زمن المعجزات!
خطفاً ألمسُ يدَكِ للحظةٍ، وتنظرينَ بطرفِ عينِك إليَّ مبتسمةً، فيضيعُ عقلي.
أسعفَتْني عبارةٌ مكتوبةٌ على الجدارِ "دخيل الله اللي خلق عيونك".. هنا حيثُ تاه عُشاقك جنوناً، يتغزلون بك ولا يجدونك، فيتركون شيئاً من جنونهم على جدران الدور، يقبلون كلَّ مكانٍ عبرتْ خطواتُك فيه "وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي، ولكن حبُّ منْ سكنَ الديار".
أكاد أحسدُ نفسي كيف وجدتك، فخبأتُك كحلمٍ طفوليٍّ بين ضلوعي.
أنهكنا التعبُ، فغدوتِ تتمايلين في مِشيتَك كشجرةٍ تداعبها الريحُ، وأنا ترنحتُ سَكْرَاً بعطرك وعيونك.. ويلي من شفتيك نبيذٌ عصرَه شيخٌ عجوزٌ، شَهَدَ عيوناً وقَبّلَ شفاهاً وما عرفَ وصولاً إليك، فعصرَ عناقيده ليقدسك ويذكرك..
ومضيتِ عائدةً بيتُك، ومضيتُ يَبْكينِيَ الطريقُ، ويحُ العاشقين حالهم البكاء، شوقاً للقاء.. أو لوعةً من فراقٍ..
وجلسَ بقربي اللهُ يواسيني، واعداً أن يجمعَنا مدى الأيام.. فيا ربُّ لا تفرق بيني وبينها.. إنَّك للوعد وليٌّ نصير.
=================================
أمان

(كان لك معك معايا أجمل حكاية في العمر كلو...)
على حافة السطح، في ليلة صيفية هادئة، تأسر ناظريها أضواء المدينة، وتستمع لصوت أم كلثوم.. أتاها صوته المعتاد، لم تنظر إليه.. تكتفي بوجوده!
- أما زلت تنوين الانتحار؟
أنبعث تصفيق حار من الأغنية جعلها تصفق بحرارة وتصفر..
- تصفرين؟ يقولون أن الصفير ليلاً يستدعي الشرور
- انصت جيداً.. أليست الأغنية رائعة؟ حتى الشيطان نفسه يجلس بسكينة.. ليس هناك شرور هذه الليلة!
إنني سعيدة حقاً، أشعر بالأمان، أريد أن أرقص!
- رقصة مذهلة هنا على الحافة!
- أتشاركني؟
- ثلاثين ليلة.. نلتقي هنا على الحافة.. وكل يوم اسأل نفسي.. هل أمنعك من السقوط أم أنني أقترب من السقوط؟
- لم لا تسأل إن اقتربت منك للمكان الآمن أم تقترب مني للحافة؟
- هذا يعتمد إذا ما كنت أنا في مكانٍ آمن!
انتفض قلبها بعنف، أغمضت عينيها كأنها لا تريد رؤية ما حصل، كيف لم تفكر بذلك من قبل؟!
- ثلاثين ليلة، تأتين للحافة بإرادتك.. لم تأتِ إلي، ولا تسمحين لي بالاقتراب.
أرادت النهوض نحوه لكنها انزلقت عن الحافة، تمسكت بكل قواها..
مد يده ليمسكها من ساعدها، رأت وجهه للمرة الأولى، الدم يتصاعد لوجهه ويتنفس بثقل، يحاول جهده منعها من السقوط.
- ثلاثين ليلة، وأنا على شفير الهاوية، أجول في روحك، كم من الوقت نحتاج لنجد روحنا، نعرف ما نريد بحق.. ونحن نجلس على حافة الانتظار.
- صرخت: لم أقصد الموت، كل ما أردته.. الحياة!.
كنت لي كالحبل السري تمنحني رمقاً..
أفلتني.. آن للحبل السري أن ينقطع.. أحبك!
- ضاغطا بقوة على أسنانه وبصوت متقطع: لست.. حبلاً.. سريا!
دوت صرخة طويلة أفرغ بها كل أساه، صبره على البعد، سخرية الحافة من لياليهما.. وسحبها لتسقط في حضنه.
مذهولة لما حدث، كأنها تعيش حلما.. وبضحكة صافية منه، كسر الصمت والذهول، كان يضحك ويضمها بقوة.
- قالت وهي تخبىء راسها في صدره: ثلاثين ليلة لا تكفي.. استحق أن تزل قدمي، لأسقط بكلّي في حبك!.. أحبك.
==================================
مدونة كتابات السكون 2019
بقلم: محمد الدبس

إرسال تعليق

1 تعليقات