الدرس - قصة

الدرس - قصة
بقلم: محمد حسن الدبس
-1-
دوى انفجارُ قذيفةٍ خلفهما فانبطحا سريعاً، الغبارُ الساخنُ يجتاحهما مرّة أخرى، كأنَّ الجحيم في روحِك لا يكفي، فيعبثُ متلذذاً بعينيك وأنفاسك.
يمسحُ جبينه ويعجنُ الترابَ بالعرقِ، ليمتزج وجهَهُ بتعبِ الحرب، وصوتٌ ما على جهازِ اللاسلكي يشجعهم صارخاً (أنتم الأبطال.. منْ يعلم بتضحياتِكمْ يودُّ لو يعطيكم المعنويات، لكن أنتم من يعطينا المعنويات).
- ضَحِكَ الملازمُ صغيرُ السّن: أسمعتْ؟ نحنُ نعطيهم المعنويات!
- بصقَ الجنديُّ: الغبارُ يملَأُ فمي.. نُعطيهم المعنوياتْ؟! لا بأس أخذوا كلَّ شيء، ليأخذوا المعنويات أيضاً.
- خُذْ اشرب قليلاً.
- أستغدو مثلَهُم؟؛ وبصقَ مجدداً.
- حين أخرج من هذا الجحيم، أَعِدُكَ أنْ آكُلَ الأخضرَ واليابسَ.
- ستعزقُ¹ العشب في الكتيبة؟
- سأعزق الشعب!
طَفِقا يضحكان بوتيرةٍ متصاعدة كأنّهما أصيبا بالجنون، قاطعهما غَمْغَمَةُ اللاسلكيّ بصراخٍ لتصحيح سمت القذائف
- دفعَ زميلك مبلغاً كبيراً ليُعفى من هذه المهمة، تخيّل لو أعطوكَ مكافأةً لأنّك أتيتْ!
- لو دفعوا مثل هذه المكافآت ما اندلعتْ هذه الحرب أصلاً!
- ربما.. لكن هذا واجبك!
- الواجبات ترافقها حقوق.. أين حقي؟
- سيأتي يومٌ على هذا العالم القاسي يصل لكل ذي حقٍّ حَقّه!
- اكتبْ وصيةً لأحفادِك أن افتحوا قبر هذا الجندي وابصقوا على عظامه، إن حدث ذلك!
- هه! أحفادي؟ لا أرى أنني سأتزوج!
- لماذا؟
- لا أعرفُ من النساء سوى أمي، من الثّانوية إلى الكلية الحربية² إلى هنا، أظنني أعجبتُ بابنة الجيران، فتطوعتُ.. لأثير إعجابها، تعلم.. رتبة وراتب.
- لم تحبْ ولا تعرف النساء!.. هذا يفسر الكثير من الأمور.. أحقاً فعلت ذلك لأجلها؟
- ربما.. لكن بعد أسبوعين من التدريب القاسي والعقوبات، نسيتُ لِمَ فعلتُ ذلك!، هل تذكر شيئاً أنت؟
- ما أذكره أنني هنا!
سقطتْ قذيفة صديقة بالقرب منهما، فتناثرت شظايا الحجارة فوق رأسيهما.
- ابن العاهرة سيقتلنا!
- على ذكر النسيان، سيدي.. ما هي مهمتنا؟
- استطلاع!!
- إذن أخبرهم بتصحيح السمت بعيداً عن استطلاعنا.. وإلا سيبقون عمياناً.
- ليس لديّ تواصل معهم، تواصلي مع الاستطلاع فقط!
- ألم تجدوا حلاً لفوضى سوء التنسيق والاتصال؟
- كما قُلتَ سابقاً.. لو بحثنا عن حلول ما اندلعتْ هذه الحرب أصلاً!
- هذه خطايانا تحاربنا!
- أخبرني.. هل النساء مستحيلات كما يقولون؟ شاهدتُ مقطعاً إباحياً، هؤلاء الأجانب متوفر لديهم كل شيء
- الحبُّ شيءٌ مختلفْ.. ليس ما رأيتْ
- بربك! ما هو إذن؟
- يجب أن نجتاز هذا الشارع بسرعة.. إنه مكشوف للقنص
- من يعبر أولاً؟
- نعبر سوية
- أليس ذلك خطيراً؟
- بكل تأكيد!

-2-

في الحرب يقفُ الموتُ لصفِّ الجميع، من قال أنَّ الحرب ليست عادلة!.
ثلاثة أمتارٍ بدتْ شاسعة جداً، نجاتك في الطرف الآخر، أمّا الحياة.. على امتداد هذي الخطوات!
- صرخ الملازم: أووه! لمْ يحدثْ شيء.. كادت تنقطع أنفاسي
- بالطبع لم يحدثْ شيء، لكنهم الآن يعلمون أن هناك من تسلل، استعد!
- (مستعداً) دائماً!
- مستعدٌ.. قُلْ مستعدٌ! عشرات السنين وأنتَ ترددُ القسمَ الطليعي³ في المدرسة.. وتقول مستعداً!؟ بالنصب!؟
- ليس الآن بدرس لغة!
- نحن الآن في التطبيق، أهم درس في الحياة هو أن تستفيد مما تعلمتْ.. ألّا تكرر ذاتَ الأخطاء وتَسلُكَ ذاتَ الطريق!
- إيه! تحملني كل أخطاء المجتمع.. كفى!
- على الأقل لمْ أُرسِلْكَ للحربِ نيابةً عن أخطائِهم.. فقط أحدِثُك!
- المهم.. لمْ تخبرني ما الحبّ.
- أُخْبِرُكَ حين نَصِلُ التجمع.
تابعا طريقهما، ذهبَ الملازمُ ليَعرُضَ تقريرَهُ، فيما الجندي وقفَ يرقبُ غيابَ الشّمس، حين بدأ التمهيدُ الناري استعداداً للاقتحام.
- صرخ الجندي: رفيقي الطليعي.. كُنْ مستعداً لبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد!
تنوعتِ الإجاباتُ بين غير مكترثٍ، سخرية وشتائم.. والكثير من الضحك
جاء صوت الملازم من بعيد: مستعدٌ دائماً.. دُن دُن؛ اقتربَ من الجندي وأخذَ لفافةَ تبغٍ وأشعلها.
- قال الجندي: ماذا ترى؟
- أين؟
- هنا .. أمامك.
- جيش!
- ما تزال الغشاوة على عينك.
- ماذا ترى أنت؟
- إنسان!
- أتسخرُ مني؟
- اسمع.. النظام المنضم⁴ غايته تدريبنا على وحدة الحركة.. وحدة الصف.. روحٌ واحدة
- حقاً؟ كنتُ أظنُّه استعراضاً وعقوبة!
- هو كذلك اليوم.. نسينا غايتَهُ، ذلك أنّا ممنوعون من التفكير.. أوامرٌ صارمةٌ، ومع الوقت بقيتْ الأوامرُ ونسينا لمَ وكيف..
- مثل عَزْقِ العشبَ؟ غايتُهُ حمايةُ المستودعاتِ منَ الحرائقِ ولكنّا نَظُنُّهُ عقوبة!
- تماماً، أسمعتَ ردودهم على الشعار الطليعي؟.. لم ينسوه، إنّما اختلفتْ الإجابات.. وأيّاً منهم لمْ يقل (مستعدٌ دائماً).. عشرات السنين نصرخ.. نصرخ فقط! دون أيِّ شعورٍ قومي سوى ألمُ الحنجرة.
- ربما لأنّكَ استخدمتَ شعاراً مدرسياً في هكذا موقف.
- جرّب أنتْ، لديكَ السّلطةُ بالرتبَةِ، استخدمْ شعاراً من الجيش إنْ شئتْ.
- صرخ الملازم: أمّةٌ عربيّة واحدة!⁵
لَمْ يجبْ سوى جنديٌّ واحد: على الخازوق قاعدة، ليُقهقه الجميعُ بضحكٍ صاخب.
- أرأيتْ؟.. في الحقيقةِ هم يؤمنون بالأمّةِ العربيّةِ.. فقط لا يؤمنونَ بهذه الشعارات!
- أتعني أنَّ تلك الهتافاتُ مزيفة؟
- الهتافاتُ صادقة، إنَّهم ينتمونَ لهذه الأرض، الشّعاراتُ هي الزائفةُ.. لا ننتمي لها!
- وهنا؟ لمَ يقولون الحقيقة؟
- في هذا المكان.. بكلِّ هذا الطُهرِ، يقدمون هذه الأرض أصدقَ جهادٍ وصبرْ.. لا مكانَ للأكاذيبِ والنفاق.
- أكنّا نعيشُ سلاماً مزيفاً؟
- نعم.. انظرْ إليهم، إنَّهم أشخاصٌ.. بشرٌ، كلٌّ لديهِ حُلُمُهُ، حياة عظيمة نجا فيها منْ هزائم كثيرة، ليسوا بآلاتٍ، ليسوا أرقاماً.. أترى العشق؟ أفهمت ما الحبّ؟

-3-
صوتُ الحربِ يعلو كلَّ صوتٍ، تَفرضُ عليكَ وحدةً موحشةً، تَعمي عينيك بِغبارِها، تَصمُّ أذنيك، لتصرخُ ولا يسمعُك أحدٌ.. هي المنتصرُ في النهاية!.

مع مغيبِ الشّمس وعبرَ جهازِ اللاسلكي جاءَ الأمرُ استعداداً للاقتحام، جمع الملازمُ عناصر مجموعته، استعان بما تسعفه الذاكرة من خطابات حماسية.
- قاتلوا بكلِّ شجاعة.. اليومَ تكتبون انتصاراً عظيماً.. إنَّ النصر العظيم يحتاج لتضحيات عظيمة
- نظر للجندي: ألديك ما تقوله؟
- هذا الملازم معجب بجارته إعجاباً عظيماً..
حاولَ الملازمُ إسكاته، وضحكَ أفرادُ المجموعة.. لكنَّه تابعَ رافعاً صوته..
- نعم.. معجب بجارته، لديه قلب، لديه حياة.. ليكن هذا اليوم يوماً نفخر به أمام نسائنا.. نرويه لهنَّ.. نثأر فيه للعاشقين الذين قضوا على يد الحاقدين..
(وصرخ بصوت جبار: يا لثارات العاشقين).
ردد أفراد المجموعة بفرحٍ عظيم.. يا لثاراتِ العاشقين.

تحركَتْ الدباباتُ وانطلقتْ المجموعاتُ من مساراتٍ مختلفةٍ، فيما القصفُ مُستمرٌ على الخطوطِ الخلفيةِ للعدو، ثم بدأتْ تنهمرُ القذائفُ من الأعداءِ.. دويُّ الرصاص من كلِّ جانب، في كلِّ زاويةٍ معركة.. والموتُ يحصدُ ما يشتهي ويحبّ!
- أهكذا تُصغرني أمامهم؟
- كيف؟
- أأقاتلُ لأجل امرأةٍ!؟
- لِمَ تقاتلُ إذاً؟
- للوطن
- وما هو الوطن؟
- هذه الأرض!
- إذنْ ما خلافنا مع الأعداء؟ أليسو على هذه الأرض ولهم فيها ما لنا فيها؟
- يريدون السيطرة عليها.. عملاء للخارج
- لماذا؟ لموقعها الجغرافي المميز والثروات الباطنية ومناخها الجميل؟ أهكذا تحفظ دروس الجغرافية والتاريخ؟
- أيقاتلون لأجل امرأة؟
- كيف ترى النساء؟ نضاجعهن وننجب الأطفال؟ خادمات للطبخ والكنس؟ أهكذا تراهنَّ؟
- قلتُ لك سابقاً لا أعرفُ ما النساء!
- يكفي حالياً أن تعرف أن من تحبُّها هي أمُ ابنِكَ.. هي أم! .. وكذلك زوجتي وأمي وأمك.. أم!
- نعم أحبُّ أمي..
- إذن قاتلْ لأجلها.. فإنْ عشتَ ليومٍ آخر.. ستدرِكُ يوماً أنَّ كلَّ جميلٍ وقدسيٍّ هو أم.
- حسناً .. لكن لم أفهم إذا كنا نقاتل لأجل أمهاتنا.. أعداؤنا لم يقاتلوننا؟
- ضحك الجندي: الأنجاس أبناء السافلاتِ العاهراتِ يقاتلون لأجل الثرواتِ الباطنية والمناخ الجميل.. لننقسم مجموعتين ونَدْهَمُ البناء من جانبيه، حذار المفخخات!

تمكن الرفاقُ من السيطرة على الطابق الأرضي، وبسبب العتمةِ زُلّتْ قدمُ أحدِ الجنودِ في فُتحةٍ صغيرةٍ من أرضيةِ البناءِ مفتوحة على القبو.
- ضحكَ مرتبكاً: ليساعدني أحد.. الظلامُ شديد، لقد علقتْ قدمي في حفرةٍ ما!
ركضَ إليه أحدُ رفاقه ليسحبه، ثمَّ دوى صوت رصاص من القبو، وصرخ الجندي العالق بشدة حتى أغمي عليه، سارعَ رفيقٌ آخر لينقذَ زميلَهُ، تمكنا من سحبه، ورمى أحدهما قنبلةً في الفتحة.
كانتْ ساقه وقدمه مهشمتين تماماً منْ كثرة الرصاص..
- قال أحد الرفاق: لننسحب قبلما نُحاصر!
- رد الملازم: لن ننسحبْ، سنصمد هنا، إنَّهم في الخارج أيضاً
- ضحك الجنديُّ وهو يصعدُ للطَابقِ الثاني: كنتُ أتوهمُ أنّي الكابتنُ ماجد فيما ألعبُ حافياً بكرة بلاستيكية.. هيّا يا بطل!
تحصن الرفاق في الطَابقِ الثاني، وطوقهم الأعداءُ من كلِّ جانب.. دار اشتباكٌ على درج البناء، وانفجرتْ قذيفةٌ صاروخية أطاحتْ بجنديٍّ كان يشتبكُ مع الأعداءِ من البناءِ المجاور.
- قال الملازم: لقد أطبقوا الحصار!
- رد الجندي: لم نكن يوماً غير ذلك!
- صرخَ الملازمُ عبر جهاز الاتصال: سيدي نحن محاصرون!.. نحتاج لمجموعة مؤازرة فوراً، ومدفعية على الأبنية المقابلة..
- أجاب: استلمت.. اصبروا فالله معكم.. نثقُ بكم يا أبطال!
ذُهلَ الملازمُ لِمَا سمع.. شعر بصفيرٍ حاد في رأسه، نظر حوله.. سِتُّ جنود وملازم، أنينُ أربع مصابين يموتون ببطء، وصمت شهيدين، الدماء تخضبهم جميعاً، الوجوه المغبرة حائرة، الحصار مطبق، والليلُ طويل!

-4-
حين الخطر نستجيرُ بالشجعان، فيما ننجوا بذواتنا الجبانة.. مِنكُم وعليكُم السلامُ يا مخلصينا! .


تمكن الرفاق من إصابة عدد من الأعداء خلال محاولتهم الصعود خلفهم، وقاموا بسحب الجثث القريبة ليأخذوا ما بحوزتهم من ذخيرة وسلاح.
في هذه الظلمة، وميضُ الرصاصِ هو النور الوحيد!
طلبَ الملازمُ منْ أحد الجنود أنْ يتسللَ للسطحِ ليرى ما يمكنُ فعله.
- أحدُ المصابين قال للملازم: منذ شهرٍ رُزِقْتُ بطفلةٍ، أوّلُ أطفالي.. لم أستطعْ رؤيتها، رفضوا إجازتي، قالوا لي الإجازة لمن يدفع مبلغاً محترماً أو لديه واسطة محترمة!
- ستراها!.. تراها وتضمُها، وتكبرُ أمامَ عينيك حتّى تَسنُدُكَ على عُكازِكَ.
- أليس سخيفاً أن نقول مبلغاً محترماً للتعبير عن رشوة؟
- تابع المصاب بتهكم وألَم: قالوا أيضاً.. إنَّ بلادي بحاجتي، هأنا أنزفُ حتّى الموت لأجلها.. لكنها لا ترتوي، تريدُ الكثير من الدماء!.. من أنا لأوفي بلادي حاجتها؟.. شهيدٌ واحدٌ فقط لا غير.. رقم ضئيل!
- أنت رجلٌ والرجال قليلون!.. إنَّك حقاً بطل!
- انظر لجثة ذاك المعتدي، يرتدي بزّة عسكرية مثلنا، ومصابٌ بالرصاصِ مثلنا، وتخضبه الدماء مثلنا.. ونقتتل لأهداف متشابهة، ربما المال أو الوطن أو الجنة.. أنكون بنفس الدرجة؟.. محال! محالٌ أن نكون في نفس الدرجة!.. لكن هنا وهناك.. قتيل واحد فقط لا غير.. رقم ضئيل!
- نهض بصعوبة، ضحك متألماً وبصق دماً، ثم نظر في عينيِّ الملازم: أخبرْهُمْ! أخبرهم أنَّ في كفني ألفُ قتيل، ابنتي وزوجتي وكلُّ أهلي وأحلامي.. أخبرهم عن قلبِ أمّيَ المكسورِ، دموعَ والدي.. دموعَ الرجال!
أخبرهم أنَّ في شهادتي ألفُ شهيدٍ، أخبرهم أنَّ في شهادتي أبناء وآباء.. واصمتْ! اصمتْ حين يسألونك من القاتل.. فالصمتُ أمامهم اتهام!
أعدَّ أربع قنابل.. وتدحرج على الدرجِ ليستقر بين الأعداء.. كان هزيمُ موته أعظمَ وأجلَّ من دوي القنابل!

- عاد رفيقهم من السطح: أُصبتُ بساعدي!.. القناصون يتتبعون أدنى حركة!
دوتْ انفجارات في قبو البناء والطابق الأرضي، تبعها إطلاقُ نارٍ كثيف من خارج البناء..
- نظر أحد الرفاق: هناك جنديان في الخارج يشتبكان مع الأعداء!
- لنساعدهم!
تمكن الجنديان من فتح ثغرة لرفاقهم المحاصرين
- قال أحدهما: هيا بسرعة.. الطريق من هنا آمن نوعاً ما!، كنا منسحبين، وسمعنا استغاثاتكم على اللاسلكي.
- قال أحد الرفاق: الأعداء!.. لقد تفرقوا من محيط البناء، إنَّهم ينسحبون!
- أجاب الملازم: لا سبب لانسحابهم سوى شيء واحد، سينسفون البناء بنا!.. هيا لننسحب أيضاً.
حمل الرفاق رفاقهم المصابين والشهداء،
- قال الجندي: لقد أشرق القمر!
- قال أحد الرفاق: سبحان الله! كنت أخشى الموت في ذاك البناء القذر!
- أُغمضت عينا الملازم، حينما انهمرتْ الدماءُ على وجهه، ليصرخ: قناص!
تفرق الرفاق للاحتماء من القناص، ثمَّ شعروا بالأرض تزلزلت من شدةِ الانفجارات، تعالتْ صرخاتُ الملازم وجنوده يستيغيثون بالله.. واندفعتْ عاصفةٌ جارفة من الرماد الساخن أغرقتهم في ظلامٍ مفزع.
مر الوقت ثقيلاً، والموت يحيط بهم.. نادى الملازم بصوتٍ مختنق لكثرةَ الغبار الذي استنشقه: هل نحن أحياء؟.. هيه!
أجابَهُ البقية أنَّهم بخير.. لكنْ لم يسمعْ صوتَ رفيقه الجندي، ناداه عدة مرات ولم يجبْ.. قدماه لا تحملانه، فحبى بصعوبة، وعيناه تلتهبان، شعر بقلبه يُنزع من مكانه، وشرع يبكي بغصة وقهر، ويقول: أماه!

-5-

إنَّ قباحةَ الحربِ ليستْ في الموتِ والدمارِ، إنّما في النجاةِ منها... البعضُ مثقل بالآلامِ والجراحِ، والبعض مكتنزٌ بالذهبِ والجبروتْ! .


- لمَ تبكي؟ أمصابٌ؟
جفلَ الملازمُ من صوتِ الجُنديِّ
- أنتَ بخير؟ ظننتُكَ..
- لا.. لم يُصبْنِي شيء.. هل عرفتَ ما الحبُّ؟
- يلعن سماك!.. أهذا وقتُ الفلسفة!
- تعانقا بفرح: جميعُ الأوقات ملائمة!.. لنتحرك بسرعة، الغبارُ الكثيفُ سيمنحنا تغطيةً مناسبةً عن القناصين.
تحركَ الرفاقُ رغم الألمِ وثقل السلاح، على أكتافهم رفاقٌ جرحى وشهداء..
- لا بأسَ إنْ أُصبنا.. نستلقي في المشفى، نتبادل الأحاديثَ وأتعلمُ منْكَ أكثر.
- خيالك شاعري جداً، لكن هناك مشكلتان.. الأولى أفضل هذا الحوار وأنا جالسٌ في شرفةِ منزلي أشاهدُ جارتي الحسناءَ تنشرُ الغسيلَ.. والثانية لكم أقسامٌ خاصة بكم في المشافي، يعني لنْ نتجاور الأَسِرّة!
- وقفَ الملازمُ فجأة: أحقاً ما تقول؟
- ما بك؟.. تابع التحرك هيا!
- أنا أدركُ أنَّ الرتبَ لتنظيمِ الجيش.. لكن في المشفى! يفصلون بيننا؟! ما الفرق؟
- تحرك!.. ليس وقتُ الأسئلة!
- بل هذا كلُّ الوقت..
استدار للخلف باتجاه القناصين.. الغبار ينقشع، أشار لرتبته..
- هيه! هذه نجمة! اقتلْ الجنودَ.. أتسمعُني يا ابن العاهرة؟
أمسكه الجندي، يسحبه بقوة ليغادرا..
- أَجُنِنتَ!.. لأجل هذه؟ إنها قضية عادية.. هناك ما هو أسوء!
- استُشهِدَ أخي بتفجير سيارة مفخخة.. إنَّه مدني، لا تعترف الحكومة بشهادته.. والآن تضعني في قسم مختلف؟ بعيداً عنك يا صديقي!؟
- لنخرج من هذا الجحيم ثم نناقش الجنة التي تحلم!
- نخرج من جحيم لجحيم؟ .. لنناقشَ الجنة هنا والآن، ونذهب إليها برضانا.. هيا لن نشعر بالرصاصة تخترق رأسينا!
- كفى! ما الذي أصابك؟ يريدون أنْ يظهروا الاحترام لكم، هذا مافي الأمر.. لا أحدْ يشعرُ بالإهانة!
صرخَ الجنديُّ صرخةً مكتومة واستندَ على الملازمِ، ودوى إطلاقُ رصاصٍ يخترقُ ظهر الجنديِّ ويَنفَذُ ليصيبَ الملازمَ بأثرٍ أقل، اختلطتْ الدماءُ، وسقطا بجوار بعضهما.
وقفَ القاتلُ مختالاً، يخبرُ على جهاز الاتصال..
- لقد قتلتُ اثنين من الكفار!
رفسَ الجُنديَّ بقدمِهِ، يقلبهُ على ظهره، يريد تصويره ويَبصُقَ على وجهه.. نظر إليه ملياً، تسمَّرَ في مكانه، ثمَّ ركع على ركبتيه جوارَ الجندي!
- قال القاتل: من كلِّ الأماكنْ على هذه الأرض، من كلِّ الوجوه المخضبة بالدَّمِ، نلتقي هنا!
في كلِّ يومٍ أتذكرُ كلماتَكَ، في كل مرة يقتربُ مني الموتُ، يمرُّ ذاك الشريط السينمائيّ بمشهدٍ واحدٍ فقط.. أنتَ بطلُه!
ألقيتُ قصيدتي الحماسيّة أصرخُ فيها بكلماتٍ عن الحريةِ والثورةِ والبطولاتِ العنترية.. ثمَّ اهتاجَ الحضورُ بآرائهمْ المختلفة، يكسرونَ الكراسيَ على رؤوس بعضهم..
وأنا هربتُ خارج القاعة، لأجدك أمامي تقفُ بكلِّ هدوء، تَبْسِمُ فتزيدُ من خوفي!
قلتَ لي: قصيدةٌ رائعة، جميلةٌ هي الحرية!.. لكن المشكلة في وصفك للدماء، الدّمُ -يا صديقي- سائلٌ لزجٌ أحمرُ اللون، طعمُهُ مالح، ورائحته مقرفة!.. كلُّ الكلماتِ الشاعريّة عن الدماء.. ليست شاعرية!
صحى الملازمُ، يَسمَعُ في رأسِه عويلَ امرأةٍ يَجهلُهَا..
نظر لجُثةِ رفيقِ الحربِ.. فيما القاتلُ يلطمُ نفسَهُ، يردد باكياً (ليستْ شاعرية!).
أمسكَ الملازمُ بحديدةٍ على الأرضِ من البناءِ المُدمَّرِ، واندفعَ بها ليَغرُزَها في عينِ القاتل، ويطرحَهُ أرضاً.. يصرخُ بجنون ويدقُّ الحديدةَ، وتتناثر الدماءُ على وجهه..
- يا خنزير.. يا ابن العاهرة..
انقشعَ الغبارُ.. القنَّاصُ يستمتعُ بالمشهدِ، ضغطةٌ على الزناد، تسيرُ الرصاصة بسرعة تصرفاتنا الحمقاء، ملتهبةٌ كقطعةٍ من جحيم، تَخرِقُ الخوذةَ، عظامَ الجمجمةِ، تشقُّ الدماغَ، ثمَّ عظامَ الجمجمةِ مجدداً، ربما تخرقُ الخوذةَ، وربما تستقرُّ في الطرفِ الآخرِ منها إنْ كانتْ صناعتُها متينة!

ثلاثة أجسادٍ تبردُ شيئاً فشيئاً، هكذا نتساوى جميعاً في الموت.
===  النهاية  ===
هوامش وشرح المفردات:
¹عزق: عزق الأرض أي قلبها وحرثها ليتخلص من الأعشاب الضارة.
²الكلية الحربية: مركز إعداد وتدريب وتخريج الضباط في سوريا.
³القسم الطليعي: شعار يردد في المدارس الابتدائية في سوريا كل صباح، وهو كالتالي (رفيقي الطليعي كن مستعدا لبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد، فيجيب الطلبة: مستعد دائما).
⁴النظام المنضم: مجموعات حركات منظمة ودقيقة تستخدم في استعراضات الكشافة، الجيوش، وغيرها.
⁵أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة: هو شعار حزب البعث العربي الاشتراكي، ويتم ترديده في اجتماعات المدارس والجيش كذلك.

إرسال تعليق

0 تعليقات