البعد الرابع - مشهد وهم

البعد الرابع* - مشهد وهم

بقلم: محمد حسن الدبس

..... الدماءُ تتدفقُ من كلِّ مكان، من الجدرانِ من السقفِ من الهواء، تستيقظُ بصعوبة على صوت المنبه، نظرتْ حولها في الغرفةِ، إنَّ كلِّ شيء كما كان، قالت لنفسها: مجرد حلم مزعج..
ابتسمتْ دون أي سعادة، جلستْ في سريرها، تشعر بثقل في رأسها، يجذبها للنوم مجدداً، قاومتْ إغراء النوم، هناك شيء ما يدفعنا للاستيقاظ، يقاوم لذة النوم، يجبرنا على التعب وروتين الحياة المكرر.
تناولت قليلاً من المربى وشربتْ فنجانَ قهوةٍ وخرجتْ للعمل..
ترسلُ رسالتها المعتادة كل صباح إلى خطيبها: (صباحو حبيبي.. كيفك؟ اشتقتلك.. طمني عنك بس تقدر).
منذ أسبوع لم يهاتفها أو يراسلها ، حيث هو تغيب الكثير من الأشياء، الاتصالات والكهرباء والغذاء، فيما المعارك هي الحاضر الأكبر.
تعبر السيارة في الزحام الصباحي، ثمة امرأة تنظر إليها طوال الطريق، تارة بحزن وتارة بحدة وتارة ابتسامة، وكأنها تحدثها!
وصلتْ إلى مكان عملها، قامت بكل الأفعال الآلية من توزيع السلامات والابتسامات على وجوه مكررة، تدقيق أوراق لا طائل منها سوى الروتين، وأخيرا العودة الى المنزل.
عندما وصلت فوجئت بتلك المرأة تنتظرها عند باب البيت.
حيتها المرأة ببرود ودخلت الشقة المجاورة لها.. قالت لنفسها: أها.. إذن هي جارتنا الجديدة!
شعرت بالحماس قليلاً.. علَّ الجارة الجديدة تضفي شيئاً من الحيوية للبناء الأبكم.
سريعا وبإتقان، أعدت طعام الغداء، ثم دعت الجارة الجديدة، بدورها أحضرت بعض الحلويات كهدية تعارف.
شعرت بسعادة غامرة، هناك من يفكر بها، هناك من يهتم.
- ابتسمت الجارة وهي تهم بالانصراف: تشرفت بمعرفتك آنسة نسرين.
أرادت أن تقول: وأنا كذلك أم أحمد؛ إلا أن ما حدث للجارة، قطع الحديث الودود، إذ سقطت أم أحمد، وسال الدم من أنفها..
الرائحة المنفرة لكحول المشافي، والممرات الطويلة تشعرها بالتعب مجرد النظر لنهايتها، اتصلتْ بخطيبها عشر مرات، لكن لا فائدة .. خارج التغطية !
موظفة المشفى تطلب منها معلومات عن جارتها أم أحمد .. لكنها بالكاد تعرفت عليها.
قالت الموظفة: لننتظرها حتى تصحو؛ ابتسمت بلطف وانتقلتْ إلى الزبون التالي، كان غاضباً حول فاتورة ولادة زوجه، ويصرخ من ارتفاع التكاليف.
أرادت نسرين الاطمئنان على حالة أم أحمد، وقفت قرب سريرها، أمسكتْ يدها بحنوٍ، تقول في نفسها: مسكينة!.. من المؤسف ما حصل في لقاءنا الاول!
سحبتْ أم احمد يدها بعنف، ونظرت إليها بعينين حادتين وابتسامة لئيمة.. وقالت لها: سيكون هناك الكثير من اللقاءاتِ السيئة يا عاهرة!
فزعتْ نسرين لغرابة الموقف، ثمَّ خرجتْ مسرعةً تريد الطبيب، إلا أن شرطياً كان بباب الغرفة.
صاح بها الشرطي: من أنت؟ وكيف دخلتِ هنا؟
- أنا نسرين .. جارة أم أحمد المريضة هنا في هذه الغرفة.. إنها بحاجة لطبيب.. تتصرف بغرابة!
فتح الشرطي باب الغرفة وأشار لنسرين أن تنظر جيداً، ثم قال: حمقاءُ أنت؟
رأت في السرير جسدا مقيداً بالسلاسل، بوجه مشوه ومدمى..
أشاحت بنظرها ليضيع البصر بحثاً عن نهاية الممر، النهاية مظلمة، تنظر للشرطي تستعطفه يحميها، لا تستيطع أن تنطق، تشعر بثقل ينوء بها..
صوتُ صفير جهازٍ ما في الغرفة، خرق الصمت، جفلت وأغلقت أذنيها خوفاً.
- صرخ الشرطي غاضباً: مجرمة.. ماذا فعلتِ؟!
همتْ بالهرب إلا أن العصا الكهربائية للشرطي، سبقتها لصعقها في ظهرها.. كالنار تسري في جسدها فتصرخ دون صوت..
- استيقظتْ فزعة، تصرخ: لم أقتل أحدا.. لم أقتل أحدا.
تتصبب عرقاً، فيما خاصرتها تؤلمها بشدة، شربت قليلاً من الماء.. تحاول أن تفهم أين هي.. قالت: هذه غرفتي!
رائحة التبغ تعبق في الغرفة.. وصوت أغنية لفيروز من الصالون.. جاءت الفكرة المفزعة: من سواها في المنزل؟
يخفق قلبها، وتتنفس بصعوبة.. أغنية فيروز تتناهى إلى سمعها كالرصاص.. تريد أن تعرف من في الصالون.. وضعت أذنها على الباب، فسمعتْ حديثاً متقطعاً بين شخصين.
لا تدري ما تفعل.. اقفلتْ باب الغرفة جيداً.. واسندته بكرسي ثقيل،بحثت عن جوالها، كان في حقيبة يدها.. بيدين ترتجفان، ودموع ساخنة تحرق خديها.
شاهدت على الشاشة مكالمتين فائتتين من خطيبها.. اتصلت به.. إنه يرن.. شعرتْ بفرح غامر.. صحيح أنه بعيد لكن على الأقل إن أصابها سوء، سيكون هو آخر من سمعت صوته وسمع صوتها.
- ألو
- حبيبي
- استيقظتي؟
- نعم.. أين أنت؟
- هنا في الصالة. في بيتك!
....
- ألو! لم الصمت؟!.. ألست مشتاقة!
- حقاً تقول؟هذا أنت؟
- نعم أنا، هيا بسرعة تخرجين إلي أو سأدخل.. ضحك بلطف فأنعش قلبها.
- لا لا.. سأخرج، أمهلني دقيقة لارتدي ثيابي.
فكرت.. ماذا يحصل؟ وتدفقت آلاف الاسئلة.. كيف دخل إلى المنزل؟ لمَ لم يخبرني بحضوره؟ بالأصل كيف علم أنني أسكن هنا؟
كانت الأغنية الفيروزية تشوش عليها.. تسمعها غريبة ومختلفة
- "على حبك فتحولي عيوني..
والتقينا وانحكى علينا..
علموني حبك ولاموني.."
الموسيقى مختلفة، كل شيء في الأغنية مختلف، ثقيلة، بعيدة جداً، وكأن الاغنية تصدر من تحت الأرض، لم تكن فيروزية على الإطلاق.
قطع أفكارها صوتُ خطيبها يناديها: يلا حبيبي! لم التأخير، ليس عرسنا الآن، ارتدي ملابسك بسرعة، لا داعٍ للفستان والمكياج.
ضحكته تثير في نفسها أماناً وسروراً افتقدتهما..
- دقيقة.. وأغدو جاهزة.
شعرتْ بالقهر، ترغب في البكاء، منذ أسبوع لم يحادثها ولو برسالة، خامرتها رغبة أن تعاقبه، على غيابه، خوفها، قلقها، وحدتها، وحشتها.
- فكرت: لا يهم.. إنه هنا الآن، ولا شيء آخر يهمني، المهم أن أراه وليسقط العالم بعده في دوامة السؤال وجحيم الأفكار!.
فتحت باب غرفتها، وانفتح بابُ قلبها للفرح، لم يستطع خطيبها الجلوس والانتظار، هو بباب غرفتها ينتظر.
عانقته بحرارة، زال الألم من خاصرتها حين طوقها بذراعيه، قبلها على خدها وأراد تقبيل شفتيها، إلا أنها انتبهت لوجودَ شخص ثالث، نظرتْ الى الصالة تبحث بعينيها مسرعة.
- صرخت: أم أحمد !، ثم سقطت مغشياً عليها.
الدوار يلهو برأسها وأعصابها كما يلهو طفل شقي بعصفور ضعيف، ورغم تعبها طرحت عشرات الأسئلة، صمتت قليلاً.
- نظر خطيبها في عينيها بلطف: سأعيد ترتيب الاحداث لتدركي ما حصل.. البارحة بعد الغداء أصابك ألمٌ شديد في معدتك وفقدت وعيك، ثم قامت هذه السيدة اللطيفة بمساعدتك لتستريحي في سريرك.
نظرتْ لأم أحمد، كانت تهز رأسها وتبتسم بأسى..
- يعني أنا من أغمي علي؟
- أجابت أم أحمد: ربما ضربة شمس أو شدة التعب.
- علق خطيبها ضاحكاً: نعم، ونمتي لليوم، يعني تقريباً 16 ساعة. وقبل جبينها.
- منذ متى أنت هنا؟
- وصلتُ في الخامسة صباحاً، وأخيراً تمكنا من فك الحصار وإيقاف الهجوم، فطلبت إجازة وأتيتك.
نظرت نسرين إلى أم أحمد والخوف يملئ قلبها..
- البارحة تناولنا الغداء سوياً؟
- إي بنتي.
- قبل يدها: آسف!
- المهم انك بخير
- ابتسمت أم أحمد: حماكما الله..
وضعتْ أم أحمد القليل من الماء بيدها، وأرادت مسح وجه نسرين لتنعشها، فأبعدتها نسرين بعنف.
- اهدأي يا بنتي.
- تكورت على نفسها: اشتقتْ لأمي!
- الله يعينك يا بنتي.. الله يساعدك!
- فايق ع سهرة وكان في ليل وندي..
والنار عم تغفى بحضن الموقدة..
والعتوبة مسافرة.. وما في كلام
ولا هدي قلبك ولا قلبي هدي
- اطفئي الأغاني، إنها تصدع رأسي، دعوني وشأني، بمفردي..
قامتْ أم أحمد بإيقاف الموسيقى، وذهبتْ المطبخ..
- دعوني وشأني، يا الله! لا أفهم شيئاً.
على الطاولة أمامها صحن من الحلويات قد بقي من البارحة، مدتْ يدها لتتناول قطعة منها.
القطعة يابسة وقاسية، فبصقتها على الارض، رأت أثرَ دماء عليها، شعرت بحاجتها لتستفرغ، غضبتْ كأن أصابها مسّ، ورمت الصحن فانكسر..
- صرخت: لعنكم الله!
فكرت:تصرفاتي معيبة!، سيكرهني خطيبي، يجب أن أكون أكثر اتزانا.
ذهبت لغرفتها تصلح نفسها وتتزين، عندما دخلتْ شقيقة خطيبها الغرفة..
- تضعين المكياج!.. إنك جميلة جداً.
- أهلاً رانيا، سأذهب وأخيك نزور أمي، لقد دعتنا للغداء!، أتأتين معنا؟
- ربما.. إن كان هذا يسعدك!
نظرتْ رانيا لتشاهد منفضة السجائر ممتلئة، ورماد السجائر متناثر على الطاولة.
خرجتْ رانيا وأحضرت كأس ماء ودواء، وقدمتهم لنسرين
- لا تنسِ الدواء!
تنظر إلى يد رانيا، تحمل ثلاث حبات من الدواء، يدها مجعدة كعجوز، نظرت إلى وجهها.
- ماما؟
أخذت حبات الدواء، كانت تبلعها حين دخل زوج أمها وهو يمسك عصا كبيرة وبدء بضرب أمها.
- أريد مالاً يا عاهرة، أين تخبئيهم!
جلستْ نسرين على سريرها تشاهد ما يحصل، فقد اعتادت الأمر، زوج أمها ينهب المال ليدخن الحشيش.
فكرت: تستحقين هذا العذاب، هذا اختيارك بعد رحيل أبي، أما أنا لن أتخلى عن حبيبي، ولن أتزوج بغيره.
.....
الدماءُ تتدفقُ من كلِّ مكان، من الجدرانِ من السقفِ من الهواء...
استيقظت بهدوء، ورغبة النوم تثقل رأسها، تكتب رسالتها المعتادة كل صباح الى خطيبها : (صباحو حبيبي.. كيفك؟ اشتقتلك.. طمني عنك بس تقدر).
حين اهتز بصمت هاتف رانيا، ذرفتْ دمعتين حزينتين، وضمتْ نسرين.
- سيطمئنك يا روحي، هو بخير.. بخير.

=== النهاية ===

*البعد الرابع: مجموعة مشاهد متنوعة المواضيع، متفقة بالفكرة والأسلوب، تنقل صورة مجتزئة لحدث نفسي يعتري بطل القصة.
الغاية من هذه المشهديات، رصد تأثيرات نفسية وفكرية، يمكن الافادة منها في كتابة عمل أدبي متكامل العناصر (قصة . مسرح . رواية).

إرسال تعليق

0 تعليقات