العجز
قصة قصيرة بقلم: محمد الدبس.
مدونة كتابات السكون.
الشقاء مكتوب علي!.. قالتها في سرها، بصقت على الأرض وتابعت سيرها بخطى عاجلة، تلعن الحياة وشقائها، ظروفها، وحدتها.. تصرخ لربها، كيف له أن يكون قاسيا لا يبالي، فيخلقها في هكذا وجود.
- لربما ليس من إله، لو كان موجودا لفعل شيئا، ولو إشارة بسيطة لتتغير حياتي للأفضل.
- ربما وردت إشارة ما هنا أو هناك، فرصة جيدة، تغيير ما، لكنك لم تتحيني الفرصة.
- أنا متعبة لألتقط الإشارات!.. أقضي يومي في اللهث كالكلبة وراء رزقي وعيشي، كيف لي أن أرى السماء ورأسي ممرغ في تراب الأرض!
تنظر في وجوه الناس، ترى الوجوم في وجوههم، يلهثون مثلها، يتقاسمون التعب والطريق، وينهبون الراحة خلسة خشية التعب يدهمهم، يصطدم الكتف بالكتف ولا يتعاتبون حتى، كلٌّ يمضي في سبيله، لا وقت للعتاب!.. فالوقت ضيق، وحر الشمس يحرق جلودهم.. خفق قلبها بشدة..
- أليس بينكم مشفق؟ أليس بينكم رحيم؟
- دعيهم في همهم فكلٌّ بهمه مشغول.
- لعنكم الله.
تلتقي عينيها بعيون بعضهم، لا تتحدث العيون شيئا، فارغة من غايتها، تنظر للفراغ المعاكس.. هكذا فقط!، فتلعنهم وتشتمهم بأقذع العبارات.
رأت شابا وفتاة يسيران بهدوء، يخطان طريقهما الخاص وسط فوضى المكان والوجود.
- إنهما عاشقان.. انظري لسيرهما يتهاديان كسفينة في البحر.
- عاهران ابنا زنى.
- ألم تكوني يوما عاشقة؟ أتذكرين..
- ذاك اللعين ابن الزانية تخلى عني، مات ولم يهتم لأمري.
- الله يرحمه.. هذا قضاء الله
- ليحترق في جهنم أبدا! كيف له أن يموت هكذا.. في منتصف الأمل!
- سيأتي غيره، بكرى عريسك يشتري لك كل ما ترغبين.. يأخذك في نزهة، تتسلين معه..
- أين هو؟ قاتله الله في كل دقيقة تأخير، لا أراه إلا يلهث في عمله ويمسح عرقه، يجمع بعض المال، إن الغبار على ثيابه أكثر من نقوده، ومن يجاور الميت سوى الميت؟ إننا نتزوج للمقابر.. نعيش فيها، والدود ينخرنا فوق الأرض وتحتها.
توقفت بقرب بائع على طرف الرصيف، تنتظر سيارة النقل العام لتقلها وجهتها، نظرت للبائع فوجدته يبيع بعض التبغ والبسكويت، إنها لا تدخن، بالأحرى لا تستطيع ذلك لأنها لا تملك المال الكافي لشراء السجائر.
تبصرته جيدا إنه في الخمسينات من عمره بلحية خفيفة عراها المشيب، يفترش هذه البقعة من الرصيف، جالسا على كرسي متحرك، إنه مشلول.
- المسكين.. عاجز.. الله يشفيه!
- مما يشفيه؟ إنه الحال.. هكذا كان وسيكون.
توقف أمامه أحد المارة، ابتاع منه علبة سجائر ولم يسترد الفكة منه، سأله العابر (ادعو لنا بالتوفيق يا عمُّ).. رد البائع (الله يفتح دربك بالخير يا بني).
- إنهم يشفقون لحاله، يشترون منه ويتصدقون ببعض المال.
- تعال يا هذا اعطني تلك المئة ليرة، فأنا عاجزة أيضا.. صدقني سأدعو لك في الليل والنهار.
توقف عابر آخر يشتري منه بعض الحلوى والبسكويت لابنه الصغير، والطفل يختار ويتدلل.
- ابن الكلب يتدلل على والده
- هكذا الأطفال.. حقه!
- كنت أطلب من ذاك العجوز حلوى، فيجيبني بصفعة من يده ويشبعني ألما.
- الله يرحمه، كانت الظروف صعبة.
تحسست خدها بألم، اجتاحتها رغبة بالبكاء، تراخت مكانها لتجلس على الرصيف، جاءت الحافلة وتراكض الناس يتسابقون لصعودها، لم تستطع النهوض، شعرت بدمعة تحرق خديها.
اقترب منها شاب (أتريدين مساعدة أختاه).. نظرت إليه بغضب (ماذا تريد؟ انصرف هيا.. انقلع!)، مسحت دمعتها وبصقت خلفه.
- ابن الكلب يظن نفسه نبيا يريد مساعدتي!
- لربما كان يريد مساعدتك حقا.
- ضربت يدها على فخذها: يريد بعض اللحم.. ابن الزانية.
تحركت الحافلة متعبة، تنوء بثقل الركاب وزحامهم، تركتها تذهب ولم تصعدها، ترغب بأن تتخلى عن كل شيء، عن طريقها، عن حياتها..
مدت لسانها تتذوق دمعة ساخنة لامست شفتها، مالحة بعض الشيء، وكثيرة المرارة، تختنق حنجرتها بالصراخ، تود لو تحرق هذا العالم، تفنيه بكل ما احتواه من بؤس وحماقة.
نظرت مجددا للعاجز، التقت بعينيه، فابتسم بلطف، لم تفهم تلك النظرة في عينيه، ليست أملا.. أشاحت بنظرها عنه.
- لو أنني عاجزة مثله
- استغفري ربك.. ما هذه الأفكار!
- لأوزعن ابتسامات، وأكثر من الدعاء للناس، أدعو لهم بأن يشفقوا لحال بعضهم، يعذروا ضعف أرواحنا، انكسارنا، حزننا.. يعذرون.. هذا كل ما أدعوه لهم.. أن يعذروا بعضهم!
- عجّي بالدعاء لهم ولك.
- رفعت رأسها للسماء: لو أنني يارب عاجزة..
- كفى!
- فأجلس في بقعتي وحيدة كما أنا الآن، كما أنا دوما..
- كفى.. هذا حرام!
- ألست رحيما يارب؟ هيا خذ روحي الآن.. خذها إليك، قد عذبتها ما يكفي في جحيم الأرض، خذها إليك أو تعال إليّ بفرج فقد ضاقت يا الله..
شُلّني.. فأنا عاجزة لا حول لي في المسير، خذ بصري.. فما أرى إلا ما يؤذيني، اقطع لساني واذهب بصوتي.. فكل نطقي إذعان لما يأمرون، ولا فرق فيه بين هز الرأس وبين التصريح..
خذ ما شئت من نعمك، فكل ذاك يارب.. لا شيء مما تعانيه روحي.
اقترب العاجز من الفتاة، مد يده يعطيها قطعة حلوى، مشيعا فعله بابتسامة لطيفة، بانت عنها أسنانه الصفراء المنخورة.
- انظري.. إنه يخفف عنك، لربما الرب استجاب!
- وصار العاجز يشفق علي؟
- قاطع العاجز تفكيرها: خذي يا ابنتي، لا تخجلي، يسعدني أن أراكي سعيدة.. ابتسمي وفقط.
شعرت بالارتباك، المفترض أن تشفق عليه وليس العكس، إنها تحسده الآن أكثر.. وغاضبة أيضا!
- لماذا؟
- بعض الأمور لا تحتاج (لماذا).. تحتاج فقط أن نفعل ما يشعرنا بالسعادة.
لم تتابع الحديث معه، أرادت أن توبخه، لكنها صمتت.. في الصمت تتجلى حقيقة الأشياء، لم يكن رضا، لم يكن حكمة ولا جمال.. بل عجزٌ تام.
أخرجت محفظتها لتعطيه بعض النقود ثمنا لقطعة الحلوى.
- لا بأس يا ابنتي.. هيا خذيها وامسحي دمعك.
أخذتها من يده، ثم استدار العاجز عائدا لبقعته، نظرت ليدها، ترتجف بعنف، يتنازعها أمران، غضب يريد أن يسحقها، وطفلة تبكي فترضيها قطعة حلوى!
- سأكون مثله!
وضعت الحلوى بحذر في حقيبتها، نظرت للسيارات تعبر مسرعة..
- ستقتلين نفسك!
- إما موت أو شلل.. وفي كلا الحالين هو الخلاص.
تقدمت خطوة، لم تعد ترى وتسمع شيئا إلا صوت عبور السيارات، بدا الصوت يصفو مع كل خطوة.. يخفق قلبها بعنف، تشعر بثقل تنفسها.. إنها خائفة.
- لنتحلى ببعض الشجاعة.. فالخلاص قريب، خطوات إضافية..
قطع طريقها توقف شاحنة عسكرية أمامها، أجفلتها بهدير محركها وتوقفها المفاجئ، تلفتت حولها تستوعب المشهد الطارئ، نزل جندي منها، بثيابه المغبرة ووجهه المتعب وحذاء متسخ، اتجه نحو البائع ليشتري بعض التبغ له ولرفاقه، نظرت لصندوق الشاحنة يجلس فيها عدد من الجنود يحتضنون بنادقهم، مستسلمين للنوم.
التقطت شيئا من حديث الجندي والبائع
- حماكم الله، ذاهبون لمعركة أم عائدون؟
- نحن بين حجري الرحى، لم نذهب ولم نعود.
- كنت جنديا مثلك.. أصبت في حرب لبنان.
- الحمد لله على سلامتك، كله مقدر ومكتوب.
- بالضبط.. كله مكتوب.
رمى الجندي ببعض علب السجائر لرفاقه، فانتبهوا من غفوتهم، وهللوا فرحين لحصولهم على التبغ.. إننا في أقصى تعبنا تفرحنا الأشياء البسيطة، كحبة مطر أنهضت غابة في الصحراء!
نظر إليها الجندي وهو يصعد للشاحنة، فرمى لها بقطعة حلوى وانطلقت الشاحنة.
- يا للحظ الجميل! قطعتا حلوى في نفس اليوم.
- لنؤجل الصدمة قليلا، أستحق تذوقها قبل الختام.
عادت مكانها على الرصيف، جلست بحذر، ونظرت للحلوى جيدا، التهمتها بعينيها قبل فمها، ترددت صورة ذاك الجندي، ابتسامة العاجز، فيما الكريما تذوب في فمها ببطئ، ترددت في رأسها كلمة (مكتوب).. عصف بفكرها السؤال...
- يقول العاجز أنه أصيب في حرب لبنان، منذ عقود وهو مشلول
- وذاك الجندي ورفاقه في قلب المعركة دوما، حتى هنا بعيدا عن ضجيج المعارك!
- وكله مقدر ومكتوب!
- أيكون هذا الشقاء مكتوبا علي؟
- إن الأيام البيضاء في عمري أو ما نمسيه فرجا، ليست أكثر من قطعة حلوى مجانية في يوم مرهق كهذا، قبل اختياري العجز والموت بلحظات.
- أيكون حقا اختياري؟ وهل لي في المصير خيار؟
- إذا لنستمتع بالحلوى لنهايتها.. ولنترك المصير المكتوب يأت على مهل.
تذكرت خطيبها الذي سرقته فوضى الحرب، حين اجتاحوا قريته وقتلوا معظم أهله وقطعوا رؤوسهم.
- كان للعرس أسبوعان فقط!
- لو كنت في بيته لقطعوا رأسك.
- أتراها رحمة أن أعيش لليوم؟ أم غضب بقائي في هذه الحياة؟
- لو يعلم الناس بقصته.. من سيخبرهم عنه سواكي؟
- ومن يستمع أصلا؟
عادت تبكي مجددا، تذكرت شيئا من حبيبها.. القبلة الأولى، وكيف تعبث يده بشعرها، دفء أنفاسه على خدها، طيب سلامه لها، سمعت بعض غزله، انتحبت وانخرطت في بكاء مر.
- أتذكرين ما قال ذاك العجوز حين سمع بنبأ خطيبي؟
- أبي!
جفت دموعها للحظة، لا تريد أن تبكيه، يخيفها والدها.. يخيفها الاعتراف بحقيقة غيابه، نعم فطر قلبها الكثير ممن رحلوا.. لكن رحيل والدها.. هو الخوف بعينه.
- قال: لقد اختار دربه!
- تقصدين؟
- نعم، دربه وليس قدره.. إن الطريق خيارنا، كان مقدرا له الموت، لكنه اختار أن يكون في بيته، لم يتخلَّ عن أرضه.
- وما مصيري أنا؟
- لا أعرف.. لا يمكننا أن نعرف مصيرنا، لكن لنختار الطريق.
نظرت للبائع العاجز، مسحت دمعتها، حييته بابتسامة.. تقدمت خطوات إضافية نظرت حولها، ما زال الناس مشغولين بهمومهم، يسارعون الخطى..
توقفت أمامها الحافلة، تزاحمت مع الناس وتمكنت من الصعود، تحركت سفينة نوح متعبة، تنوء بثقل الركاب وزحامهم.. هناك وسط الزحام أخرجت قطعة الحلوى وأعطتها لطفلة تبكي.. لقد اختارت أن تتابع طريقها، أن تقاوم عجزها.. أن تقرر مصيرها.
النهاية
العجز - قصة قصيرة
بقلم: محمد الدبس - حمص 09-10-2019
1 تعليقات
قصة مفجعة ومؤلمة لكنها تحمل الكثير من المعاني وأن العجز من داخلنا مهما كانت الظروف
ردحذف