ترفع إلهي - قصة ساخرة

ترفع إلهي 
بقلم: محمد الدبس - 2014

أغلقَ الكتابَ، وابتسمَ بثقة.. نعم لقد درسَ وحضّرَ جيداً للامتحان، إنه امتحان المادة الأخيرة في جامعته، إن نجح، سيتخرج من جامعته وينطلق نحو الحياة العملية، ودّع والدتَه وضمَّها كأنَّه ذاهبٌ لمعركةٍ..
- قالتْ له: الله يوفقك يا ابني ويبعد عنك ولاد الحرام..
شعر رشيد بمعنويات عالية بعد دعاء والدته، فهو يعتبر ما يقوم به من جد في دراسته ليس تحقيقا لطموحاته وحسب، بل طلبا لرضا الله والوالدين، كم سهرا وتعبا وشقيا على تربيته..
أمه تعمل في إعداد المؤونة المنزلية وبيعها، لتكسب مالا حلالا، فهي تقضي أيامها في إعداد المكدوس، الزيتون، المخلل، الملوخية، وحفر الخضروات لحشيها.. وغير ذلك، كما تقوم بحياكة الأوشحة الصوفية للشتاء.
أما أبوه، يعمل في نجارة الخشب، تعلم منه الصبر والأناة، والعناية بأدق التفاصيل.
شق طريقه وخاض معاركا عنيفة ليظفر بوسيلةِ نقل، معارك الزحام هي نشاط الصباح الرئيسي، بداية نشطة من جري وملاكمة، هنا يتساوى الجميع أمام السرفيس، لا فرق بين صغير وكبير، أنثى وذكر، الجميع في منافسة شرسة.. وتزداد الحماسة بإطلاق الشتائمُ تُرَدِدُ صداها في أذنِه، (بَعّدْ يا حمار).. (شو هالصباح الزفت).

لا بأس، دخل كُليَتَهُ ووصلَ إلى لوحةِ الأسماء، إنَّها لوائحٌ كثيرة تمتد على طولِ الممر، بحثَ جيداً، وزاغَ البصرُ، إلا أنَّه لمْ يجدْ اسمَه، أيضاً على الأرضِ عشراتُ الأوراق.. عليه البحث فيها.
غاصَ بين الأقدامِ المزدحمة، يبحث عن اسمه رشيد زكريا التعبان، يردد في نفسه.. رشيد التعبان، رشيد التعبان، لربما على هذه الورقة يوجد الاسماء التي تبدء بحرف الراء، لنزيح هذه اللعبة المليئة بالفرو فهي تغطي الورقة.
- صرختْ الفتاة: أتتحرش بي يا تافه.
ما كانت اللعبة إلا حذاء فتاة، في الحقيقة لم يميز أنها قدم، لكثرة الفرو على الحذاء ظنها لعبة ملقية على الأرض!
أمسك الورقة التي يظن فيها اسمه، وولَّ دُبرَه فَزِعاً قبلما يتلقَى صفعةً منها، ونظر سريعا في الورقة ليجد اسمه ثم ألقى الورقة على الأرض، بحث عن قاعة الامتحان، وبعد جهد وصلها، وكان نصيبُه المقعدُ الأوّل.
- استقبَلهُ المراقبُ صارخاً بفمٍ يزبدُ فيرطِّبُ الأجواءَ: بطاقتك وهويتك أمامك على المقعد.. لا أريد رؤية أي شيء سواهن على المقعد ..واضح!؟
قلم أزرق جاف.. لا تستخدموا أقلام الحبر السائل.. تأكد من اسمك، رقمك، اكتبه بخط واضح.
دخل بعض أصدقاءه، يسلمون بعيونهم أو بهز الراس ثم يطلقوم العنان لأسئلة وعبارات سريعة، اختلطت في رأسه (هل قرأت أسئلة السنوات السابقة؟)، (يقولون أن الدكتور سيقدم نمطا جديدا من الأسئلة هذه المرة)، (اصحيح أن البحث الثالث محذوف؟)... ويكتفي بإجابة واحد.. ابتسامة صفراء ومحاولات فاشلة لعزل نفسه عن المحيط.
شعر رشيد بتوترٍ وقلقٍ كبيرَين، اختلطَ الصراخُ في رأسِه.. (ابتعد يا حمار).. (شريك! كم محاضرة درستْ) (أتتحرش بي!).. وصلتْ الأزمة أقصاها.. إنَّه بحاجةٍ للتبول!
- خلال ذلك اجتمعتْ الملائكةُ عندَ عرش الله: يا ربُّ! هذا عبدُك الصالحُ، بذل جهداً في دراسته، ولكنْ الوضعُ في كوكبِ الأرضِ فوضويٌ ومزعج!.. إنَّه متوترٌ وقد يخسر الامتحان!
- انتفضَ الربُّ على عرشه: ماذا؟!.. أحد عبادي الصالحين في أزمةٍ؟.. ليتهيء ملاك معُه شهادةٌ مناسبةٌ لتخصص عبديَ الصالح، سأُرسِلُه سريعاً لتقديم العون.
وفي طرف عينٍ، انطلقَ الملاكُ كشهابٍ يخترقُ الغلافَ الجويَّ.. يقال أنَّ ناسا رصدت جَرَمَاً غريباً ملتهباً!
شعرَ العبدُ الصالحُ رشيد ببرودةٍ أثلجتْ صدرَهُ، نسي الصراخ، التوتر، الشتائم.. وانطلق يكتبُ الإجاباتِ بخطّ واضحٍ وجميل، كان يكتبُ خمسةَ أرقامٍ بعد الفاصلة!.. دقة علمية هائلة.
انتهى من حل الأسئلة بمساعدة الملاك الطيب، انتهى مع انتهاء الوقت، كانت الأسئلة طويلة جدا، تعجيزية، حتى أن صياغة السؤال مبهمة أحيانا، كل ذلك بحجة اختبار مهارات الطالب.
بعد أيامٍ، أعدَّ دكتورُ المادةِ كأساً من الشاي الثقيل، وجلس خلف منضدته، يصحح الأوراق، يشتم هذا بسبب سوء خطه، ويسخر من آخر كرر كتابة الأسئلة حتى لا يترك الورقة الامتحانية فارغة، بينما زوجته في المطبخ يحدثها بصوت مرتفع: ( هؤلاء الطلبة حمير، مدللون، يقصدون الجامعة للصياعة وشرب القهوة، حين كنت طالبا توفقت في جميع موادي، لا أعرف حتى اليوم أين الكافتريا.. كنت أقضي جل أيامي خلف الكتب والمراجع).
نظر لورقةِ رشيد، العبدِ الصالح، الطالب المجد، هو الآخر يقضي يومه خلف الكتب والمراجع، يساعد والده في أعمال النجارة، يجلي الأواني مع والدته.
- قال الدكتور في نفسه: الله!.. الله!.. إجاباتٌ دقيقة، إنَّه عبقريٌ حقاً.. كم أودُّ أنْ ألتقيه.. يذكرني بشبابي حين كنتُ طالباً.. لا لا إنه أفضل مني.
- رشفَ بقوةِ من كأسِ الشاي ووضع صفر للطالب: حتماً غشاش! لا يمكن لطلابي الحمقى أن يكتبوا بهذه الدقة!.. إذا بيجي النبي يتشفعلو ما بينجح عندي!

==== النهاية ====

إرسال تعليق

0 تعليقات