الرجل الذي قتل ضميره
بقلم: محمد الدبس
حدثنا حفار القبور، عن أبيه عن جده.. في أساطيرِ الأولين..
أنَّ رجلاً فقيرَ المالِ، مُنَكّدَ الحالِ، أَرِقَ ليلةً فانتبهتْ زوجُه لأمره.
- ما حالك يا رجل؟ لِمَ أنتَ يقظٌ في هذه السّاعة!
- ولِمَ النوم؟ لأستيقظ فجراً وأذهبُ للعملِ في الفحم والحطب لدى ذاك الثري؟!
- أصابَك رزقٌ حتّى ترفُضَ، أمْ أصابك العَتَه؟
- لا هذا ولا ذاك.. قد نفذَ صبري على هذا العيش، وقد عزمتُ قتل ضميري لأغدو ثرياً من أربابِ المال!
- وكيف ذاك؟
- هذا ما أفكرُ فيه ويؤرقُني، لا أعرفْ كيف أقتلَه!
- اذهبْ لتاجرِ الحيّ!
- وما يفيديني؟
- إنّه غشاشٌ محتال، يكيل المكيال، ويعبدُ المال، لا شكَّ أنّه قتلَ ضميرَه، عليك به، فينصَحُك رُشداً.
- أجل.. ما تقولينه صحيح.. لأذهبنَّ إليه السّاعة!
- انتظر للصباح.. الناس نيام.. نمْ واسترح.
- حسناً.
وفي الصباحِ قصدَ رجلُنا تاجرَ الحي، وأخبره بمبتغاه..
- ها! تقتل ضميرك!.. هذا حديثٌ عجيبْ، لا أعرف عمَّ تتحدث، فأنا تاجرٌ وأعملُ بالماديات، ولا أعرف ما الضمير.
- أسعفني.. ألا ترشدني لطريق؟!
- همم.. اسمعْ.. اذهبْ لصاحبِ الشّرطة، فهو أعلمُ بالقتلِ وأحواله، صحيحٌ أنّه ظالمٌ مستبدٌ أكولٌ نَهِم، لكنَّه قدْ ينصحُك ويفيدُك.
وذهبَ الرجلُ لصاحب الشّرطة، وطرح قضيته عليه..
- ماذا؟! تقتل! وهكذا ببساطة تخبرني بالجريمة وتطلبُ عوني؟
- يا سيدي.. اسمعني، أنا أريدُ قتلَ ضميري.
- ضميرُك؟.. ما هذا الشّيء؟، كمسؤول عن أمنِ البلادِ والعبادِ، أحذرُكَ مِمّا أنت مقبلٌ عليه، لكنّك ولمْ ترتكبَ الجريمةَ بعد، فلا شُغلَ ليَ معَك.. ارتكبْها وسيكون لي معك شأنٌ آخر.
- ألديك نصيحة تنفعُني في أمري؟
- اذهبْ للقاضي، علّه يصلح الخصومة بينكما!، صحيحٌ أنّه يقلبُ الباطلَ حقّاً والحقَّ باطلاً، ولكنَّه قد ينفعُك.
وذهبَ الرجل بقضيته للقاضي..
- وما الخصومة بينكما؟ وأين ضميرك؟.. لا أقضي على غائب.
- ضميري.. هنا في داخلي!
- في داخلك؟ أيسكنك اثنين؟.. ما تتفوه به هو الجنون عينه، ما سمعنا بذلك في الأولين.
- أتنصحُني بطريق؟
- اذهبْ للوزير، قد جال بلاداً كثيرة ورأى وسمعَ الكثير، صحيحٌ أنه ظالم خائن، يمكرُ السّلطان ويعاونُ الأعداء، لكنّه قد ينفعك!
وذهبَ الرجلُ ليقابل الوزير، الذي استعجب أيّما عجب، ورفعَ القضية للحاكمِ العابث الغارق بين الجواري والغلمان، وبدوره جمعَ حاشيتَه وفقهاءَ العلومِ ووجوه الدولة.. وضجّت المملكة بالقضية.. أنّ رجلاً يريد قتلَ ضميره، ولا يعرفون ما الضمير.
يأسَ الرجلُ وجرر ذيول خيبته عائداً بيتَه، وفي الطريق عرضَ له ملاكُ الرب..
- يا عبد الله.. أعرضْ عن هذا.
- ولكن يا سيدي ضاق بي الحال، كلما هممت بسرقة ردعني ضميري، وانظر حالي.. إني على هامش العيش!
- ولا تقنطوا من رحمة الله، إنَّك من الصّالحين في هذه المدينة الجاهلة، فلا تكُ منَ الجاهلين.
- وما أفعل؟
- اذهبْ بشرهم أن ذوي الضمير في جنة النعيم، اما المفسدين سيمحقهم الله ويسوقهم لعذابٍ شديد!
فرحَ الرجلُ، ومشى بين الناس يختالُ بما سَمعَورأى، وصار الناس يقصدونه لإحياء ضمائرهم، أمّا الحاكمُ قربه ورفعه درجاتْ وسمّاه (كاهن الدولة).
قصدَ الكاهنُ تاجرَ الحي، فحبسه وصادر أموالَه، وبنى معبداً لإحياء الضمائر، وأمرَ الوزيرَ بفرضِ غرامةٍ على من لا يملكون ضميراً.
وعمدَ للقاضي وصاحب الشّرطة، فعزلهما وعيّن من أتباعه مكانهما، يحكمون بفتاوى جديدة.
ثمَّ حشدَ جيشاً من ذوي الضمائر، ينهبونَ دور عديمي الضمير، ويقتلونهم في كلِّ زوايا المملكة، شنقاً وقطعاً وحرقاً، يريدون تطهيرَ البلاد، والاستئثار بها.
وأخيراً قصد قصرَ الحاكم، فخلعَه وقتل كثيرا من أهله وحاشيته..
- صرخ الحاكم: ويحك! بالأمس كنت نكرة، واليوم تخلعني عن عرشي؟!
- نعم.. هذا النكرة صار شيئا مهما، كان ينقصني الشجاعة، فيما سبق كنت أخاف العقوبة، أخاف ألسنة الناس... أما اليوم فلم يعد يخيفني شيء، فأنا صرت من يقرر الصواب والخطأ!
- وربك؟ ألا تخافه؟ أليس هو منحك هذه الشجاعة..
- ربي؟ أتقول أن في السماء خرافة تقرر الصواب والخطأ.. هذا عته.. هذا محال
استل الكاهن سيفه وقطع رأس الحاكم.. وصعدَ أعلى القصر الفاخر منادياً ( أنا الرجل الذي قتل ضميره.. أنا الحاكم والوزير والشرطي والقاضي والتاجر.. أنا من يقرر الصواب والخطأ، أنا أقول أي طريق تسلكون.. أنا ربّكم فاعبدون).
==== النهاية ====
0 تعليقات